سميح دغيم
822
موسوعة مصطلحات الإمام فخر الدين الرازي
- المراد من النفس ( الإنسانية ) : الشيء الذي يشير إليه كل واحد بقوله « أنا » فإنّ نفس كل شيء ذاته وحقيقته . وذات الإنسان هو الشيء الذي يشير إليه بقوله « أنا فعلت » و « أنا أبصرت » و « أنا عقلت » و « أنا غضبت » وهنا دقيقة : وهي أنّ الشيء الذي يشير إليه كل واحد بقوله « أنا » مغاير للشيء الذي يشير إليه كل واحد إلى غيره بقوله « أنت » وذلك لأنّي إذا أشرت إلى نفسي بقولي « أنا » فالمشار إليه ليس هو البدن ولا جزء من أجزاء البدن ، لأنّي حال ما أكون شديد الاهتمام بتحصيل إدراك أو بتحصيل فعل ، فإنّي كثيرا ما أقول : إنّي فعلت كذا وقلت كذا . وعندما أقول هذا يكون المشار إليه بقولي « أنا » حاصلا في ذهني لا محالة ، مع أنّي في تلك الساعة أكون غافلا عن بدني وعن جميع أجزاء بدني . وهذا يدلّ على أنّ الشيء الذي أشير إليه بقولي « أنا » مغاير لهذا البدن ولجميع أجزاء البدن . وأمّا الذي أشير إليه بقولي « أنت » فليس إلّا هذا البدن . لأنّ المشار إليه بقولي « أنت » ليس إلّا ما أدركته ببصري . وما ذاك إلّا هذا الجسم المخصوص . وكذلك فإنّ الإنسان إذا مات . فالذي كان يشير إلى نفسه بقوله « أنا » لم يبق . وأمّا الذي كنت أشير إليه بقولي « هو » فإنّه باق . فلهذه الدقيقة ترى العقلاء يقولون فيمن مات : أنّه ما بقي وأنّه هلك . وقد يقولون : إنّه هو هذا الجسد الموضوع هنا . فقولهم : هلك وما بقي ، يريدون به ذلك الشيء الذي يشير إلى نفسه بقوله « أنا » وقولهم هذا الجسد هو ذلك الإنسان يريدون به ذلك الشيء الذي كان غيره يشير إليه بقوله « هو » . ( شر 2 ، 269 ، 11 ) - ظاهر كلام « الشيخ » ( ابن سينا ) يدلّ على أنّ تسمية النفس الإنسانيّة بالنفس الناطقة محض اللقب من غير أن يفيد فائدة معقولة . وعندي : أنّه ليس الأمر كذلك ، بل هو اسم يفيد فائدة معقولة . وبيانه : أنّ المدرك للشيء قسمان : أحدهما : الذي يدرك شيئا لكنّه لا يمكنه أن يعرف غيره أنّه أدرك ذلك الشيء . وهذا حال جميع الحيوانات العجم ، فإنّها قد تدرك أمورا كثيرا مما يلائمها أو ينافرها . ولكنّها لا يمكنها أن تعرف غيرها أحوال تلك المدركات . والقسم الثاني : الذي يدرك شيئا ثم يمكنه أن يعرف غيره بأنّه أدرك ذلك الشيء . وهذا هو الإنسان . فإنّه إذا أدرك شيئا أمكنه أن يعرف غيره أنّه أدرك ذلك الشيء ، وأمكنه أيضا أن يعرف غيره أحوال ذلك المدرك . ثم أنّ هذا التعريف له طرق كثيرة : منها النطق والعبارة ، ومنها الإشارة ، ومنها الكتابة . إلّا أنّ أكملها هو النطق ، فلا جرم جعلوا النطق عبارة عن كون الإنسان قادرا على أن يعلم غيره ما في قلبه من الأحوال المختلفة والإدراكات المتباينة . فظهر بهذا أنّ وصف النفس الإنسانية بأنّها ناطقة ليس بمحض اللقب ، بل هو اسم يفيد هذه الفائدة . ( شر 2 ، 270 ، 25 ) - النفس الإنسانية لها قوّتان : عاملة وهي القوة التي باعتبارها يدبّر البدن ، وعاقلة ولها مراتب . فأوّلها كونها مستعدّة لقبول الصور العقلية وهذه المرتبة مسمّاة بالعقل الهيولاني . وثانيها أن تحصل فيها التصوّرات والتصديقات البديهية وهي العقل بالملكة